الامتيازات الأجنبية وأثرها في الانحراف عن الشريعة الإسلامية

قسم (مقالات Essays)

بقلم : القاضي محمد وفيق زين العابدين :

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله .. الحمد لله الذي رفَع لنا في كل ثَغرٍ عَلَمًا، وأجرى لنا في جوار كل بحرٍ ما يُضاهيه كرَمًا، وجعل في هذه الأُمة من المسلمين إلى اليوم مَن يَزيد الناس عِلمًا، ويَمحو من الظلمات ظُلمًا ، وبعد ،،

نشأت (الامتيازات الأجنبية) في بداية الأمر كنوع من أنواع الاتفاقات التجارية، ولعل أولها هو الامتياز الممنوح من السلطان سليمان القانوني لفرنسا عام 1535 م لسكان الثغور التجارية [1]، وكانت الدولة العثمانية في هذا الوقت في أوج قوتها وعظمتها.

وقد أصابت دول أوروبا الأخرى (امتيازات) من طراز اتفاق فرنسا مع الدولة العثمانية، وكانت حكومات الدول الأجنبية على علم بقيمة هذه (الامتيازات) وأهميتها، لذا فقد حرصت على تجديدها تباعًا كلما مضى خليفة وأتى خليفة.

حتى إذا دب الضعف في الدولة العثمانية وكان عام 1740 م مُنحت فرنسا امتيازًا أكثر سخاءً وعطاءً، حيث شمل ثلاثة جوانب: الأول خاص بالشئون التجارية، والثاني يتعلق بحقوق الإقامة وحماية الفرنسيين وتوفير الحرية الشخصية لهم، والثالث – وهو الأخطر – يتعلق بالقضاء والسماح للفرنسيين وللأجانب بصفة عامة بعرض منازعاتهم مع بعضهم على قناصل فرنسا في الدولة العثمانية [2]، وكان أخطر ما في هذا (الامتياز) أنه كان مثبتًا للحقوق الممنوحة للفرنسيين بشكل نهائي دون حاجة لتجديده [3].

ولم تلبث الدول الأخرى أن انتفعت بأحكام الامتياز الممنوح لفرنسا بموجب مبدأ (الدولة الأفضل معاملة) الذي كان الأوربيون يخادعون به سلاطين آل عثمان وولاتهم على الأمصار الذين افتُتن بعضهم بالأوربيين فأكثروا من (الامتيازات الأجنبية) في عموم الدولة.

والحق أن العثمانيين كان لهم أيضًا (امتيازات) في بلاد الغرب بموجب مبدأ (المعاملة بالمثل)، غير أن الأمر سرعان ما تحول في بلاد الغرب واتجهت نظم الحكم هناك إلى الأخذ بسيادة القانون وامتداد سلطانه إلى جميع القاطنين في البلد الواحد دون ثمة تفرقة، ولم تعدو (الامتيازات) سوى أن تكون مجرد نوع من أنواع الاتفاقات التجارية التبادلية، وبالرغم من هذا فلم يتغير الأمر في الدولة العثمانية، بل امتد سلطان القناصل الأجانب فيها على حساب سيادة سلاطين وولاة ذلك العهد، الذين لم يتبرموا ولم يشعروا بغضاضة في شأن تعدد القوانين في دولتهم وتعدد جهات القضاء بقدر تعدد أجناس الأجانب، أو يرون في هذا مغمزًا في عزتهم أو انتقاصًا من سلطانهم وهيبتهم، والواقع يظاهرهم.

ولم يكن ما تقدم هو أسوأ آثار ازدياد (الامتيازات)، فقد بدأ الأجانب في ظل أمان الامتيازات في التوافد بكثرة على البلاد واستقروا في كل مكان واختلطوا بالأهالي اختلاطًا شديدًا ودخلوا معهم في شتى المعاملات، ومع اقتران ذلك بفساد الحكام والولاة لم تعد (الامتيازات) مجرد نتيجة لنظام الحكم المتبع يمكن تحمل ضررها، بل اتخذها الأجانب موئلًا يعتصمون به كلما زُيِّن لهم أن يرموا السلطات العثمانية بالعبث أو الاستبداد.

وقد اتخذت هذه الحكومات (الامتيازات) الممنوحة لها ذريعة للتدخل في شئون الدولة العثمانية الداخلية، وكان جديرًا بما غشي سلاطين الدولة العثمانية وولاتها من الضعف والغفلة التي شغلتهم عن توغل الأجانب أن يُغري ذلك ممثلي الدول صاحبة (الامتيازات) بالتوسع فيها، وبالضغط على العثمانيين لنيل ما لم يكن لينالوه بالحق، وليتبوؤوا المناصب العزيزة في الدولة، وقد عمدوا في سبيل ذلك إلى تأويل الاتفاقات المكتوبة بطريقة فاسدة وبتعسف ظاهر.

وكان مجال (القضاء) هو المجال الخصب لهذا التأويل الفاسد، وذلك على المستويين الجنائي والمدني، فقد انتقل الأمر من مجرد إعفاء الأجانب من الضرائب والرسوم، والسماح لهم بعرض منازعاتهم مع بعضهم على قناصلهم، إلى حظر دخول بيوتهم وتفتيشها بمناسبة وقوع جرائم منهم أو في بيوتهم إلا بمعرفة القناصل التابعين لهم، وأن يكون الفصل في الدعاوى المدنية بين الأجانب المختلفي الجنسية من اختصاص القنصليات الأجنبية فحسب، ثم جعل الاختصاص بالفصل في الأقضية الجنائية بين الأجانب المختلفي الجنسية على هذه الشاكلة أيضًا، ثم جعل حضور مندوب القنصل المعروف ب (الترجمان) واجبًا في كل أدوار التحقيق في الأقضية الجنائية بين الأجانب والعثمانيين، بل اشترط توقيعه على كافة القرارات والأحكام وإلا اعتبرتها القنصليات باطلة وامتنعت عن تنفيذها على رعاياها، وكذا فقد أوَّل السفراء والقناصل ما نصت عليه (الامتيازات) من (حرمة مسكن الأجنبي وشخصه) على نحو امتنعوا معه من تنفيذ الأحكام المدنية الصادرة من المجالس والمحاكم العثمانية قِبل رعاياهم، أو اشترطوا أن تكون تلك الأحكام موافقة لأحكام بلادهم (كما اشترط الروس)، أو ألا تكون مخالفة لأحكام بلادهم (كما اشترط الفرنسيون)، أو أن يتولوا بأنفسهم تطبيق القانون العثماني (كما اشترط الألمان والإيطاليون) [4].

ومع تزايد هذا الافتئات على سيادة العثمانيين وسلطانهم، فقد ضاقوا بالأمر ذرعًا وسعوا جاهدين للتخلص من (الامتيازات الأجنبية) فعرض ممثلو الدولة العثمانية في (مؤتمر باريس) المنعقد عام 1856 م على الدول الأجنبية إلغاء (الامتيازات)، بيد إن طلبهم قوبل بالرفض، لاسيما وأن العثمانيين لم يقدموا العربون الكاف والمناسب من وجهة نظر الأوربيين لإلغاء (الامتيازات).

وإزاء هذا الرفض فقد قامت السلطات العثمانية بمحاولة تقنين الوضع الفوضوي السائد في الدولة، فحرصت على جمع ما تم سنه من إجراءات بشأن محاكمة الأجانب في لائحة عُرفت ب (اللائحة السعيدية) أو (لائحة البوليس السعيدية) والتي صدرت في الخامس عشر من أغسطس عام 1857 م.

ولم تبرح الدولة العثمانية بعد ذلك المدافعة عن حقوقها ومقاومة تيار التوغل والافتئات على سيادتها وسلطانها [5]، ودخلت في مفاوضات بعد مفاوضات في الفترة ما بين أعوام 1909 م وحتى 1913 م لإلغاء الامتيازات، لكن دون جدوى، حتى إذا كان (مؤتمر لوزان) بعد الحرب العالمية حصل الأتراك على ما سعوا إليه لكن بشروط الدول الأجنبية، فقد تعهدت الدول الأوروبية بموجب (معاهدة لوزان) المبرمة عام 1923 م بإلغاء (الامتيازات) وأن يكون للأجانب وعليهم ما للأتراك وعليهم في البلاد الأخرى من حيث الخضوع للقانون والقضاء [6]، مقابل تعهد تركيا بأن تشكل لجان تشريعية تقوم بإصلاح تشريعي شامل [7]، وأن تستخدم مستشارين أوربيين لمدة خمس سنوات للمشاركة في هذه اللجان ولمراقبة عمل القضاة وإعداد تقارير بشأن ذلك، وهكذا كانت (الشريعة الإسلامية) القربان الذي قُدم لإلغاء (الامتيازات الأجنبية).

ولم يكن الوضع في مصر أحسن حالًا، بل كان أسوأ مما كان عليه في الدولة العثمانية، حيث استفحل فيها أمر (الامتيازات الأجنبية) لعدة أسباب:

السبب الأول: سياسة محمد علي باشا الذي كان مفتونًا بالأوربيين وحرص على استيفادهم وتشجيعهم على الإقامة بمصر بتميزهم عن الأهالي وتيسير سبل الإقامة لهم.

السبب الثاني: لم يكن للحكومة النائبة عن الدولة العثمانية في مصر ما للحكومة المركزية في الآستانة من الشوكة وعزة الجانب.

السبب الثالث: استدانة إسماعيل باشا من المصارف الأجنبية مبالغ مالية ضخمة في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي أصابت مصر، وهو ما أدى إلى بسط نفوذ الدائنين وسيطرتهم على الاقتصاد المصري، ثم سيطرة الدول الدائنة على الحكومة المصرية.

وقد انعكس هذا الوضع السيئ بالطبع على مجال (القضاء) حيث كانت آثار (الامتيازات) في مصر فيما يخص هذا المجال أبلغ مما كانت عليه في (الآستانة)، فقد كان القناصل يرفضون تنفيذ الأحكام المدنية الصادرة من المحاكم العثمانية لصالح المصريين قِبل الأجانب، إلا أن تُنظر الدعوى من جديد أمامهم، ولم يمنعهم من انعدام ولايتهم في المسائل العقارية من تنظيم العقود الخاصة بها والقضاء في المنازعات التي تثور بشأنها، بل من إنشاء مكاتب رهون عقارية وفق قوانين بلادهم، بحيث كان النظام العقاري في مصر تتنازعه التشريعات الأجنبية المختلفة، ولم يكن الأمر في النظام الجنائي يختلف كثيرًا عما كان عليه في النظام العقاري، فقد عمد القناصل إلى الاستئثار بالنظر فيما يرتكبه الأجانب التابعون لهم من الجرائم ولو ارتكبت ضد غيرهم من الأجانب أو المصريين [8].

وكان هذا التوسع والافتئات على سيادة المصريين وسلطانهم داخل بلدهم يوفر للقناصل والجاليات الأجنبية نفوذًا كبيرًا جعلهم يعضون على ما في أيديهم بالنواجذ، ويحرصون على دوام هذه الحال، فناضلوا دونها ورفضوا التنازل عن شيء منها، ونتيجة ذلك ولتعدد المحاكم القنصلية حتى بلغت سبع عشرة محكمة، فقد تعددت القوانين المطبقة وتعارضت الأحكام، فشاعت الفوضى التي لم تغني فيها شكوى [9].

وقد حاول الخديوي إسماعيل لما تولى رئاسة الحكومة المصرية عام 1863 م إصلاح الأمر بإلغاء (الامتيازات الأجنبية) فيما يخص أمور (التشريع والقضاء) وأراد إعادة إخضاع الأجانب للمحاكم الشرعية، لكن نوبار باشا وزير الخارجية – الأرمني الأصل – رأى أنه لا سبيل للحكومة المصرية إلى ذلك، ورفع للخديوي في عام 1867 م تقريرًا يعرض فيه إصلاح الوضع الفوضوي القائم بإنشاء (محاكم مصرية) لمحاكمة الأجانب بصفة خاصة، على أن تكون هذه المحاكم مؤلفة من قضاة أجانب ومصريين تمتد ولايتهم لجميع المسائل المدنية والتجارية والجنائية، باستثناء المسائل المتعلقة بالعقارات تظل خاضعة للمحاكم الشرعية، وأوصى بإصدار قوانين تقوم المحاكم الجديدة بتطبيقها، وقد أثار هذا التقرير خلافات شديدة بين رجال الحكومة، لكن ضيقهم بنظام (الامتيازات) حملهم على الموافقة على اقتراح نوبار باشا.

ودخل نوبار باشا في مفاوضات دامت سنتين مع الدول صاحبة (الامتيازات)، وفي النهاية استطاع الحصول على موافقة على تشكيل لجنة استشارية من ممثلي بعض تلك الدول [10]، عقدت اجتماعاتها في القاهرة عام 1869 م احتفالًا بافتتاح (قناة السويس) وانتهت إلى الموافقة على تأسيس (المحاكم المختلطة) بشرط سن قوانين خاصة مستقاة من القوانين الفرنسية تطبقها هذه المحاكم، وأن يكون قضاتها خليط من المصريين والفرنسيين والألمان والإنكليز.

وبرغم أن توصيات اللجنة المشكلة لم تكن ملزمة لحكومات الدول التي مثلت فيها، إلا أنها كانت لها أبلغ الأثر بعد ذلك في موافقة الحكومات على إنشاء (المحاكم المختلطة)، وكانت الحكومة الفرنسية هي أكثر الحكومات اعتراضًا على إنشاء هذه المحاكم، حتى أنها لم تبد موافقتها صراحةً إلا في عام 1876 م بعد إنشاء (المحاكم المختلطة) بالفعل في نهاية العام السابق عليه، وذلك بالطبع لأنها كانت أكثر الدول استفادةً من نظام (الامتيازات الأجنبية)، والعجيب أنها لم تعلن موافقتها إلا بعد أن حصلت على تعديل (لائحة ترتيب المحاكم المختلطة) بعد صدورها في أكثر من موضع.

وبالرغم من التنازلات التي قدمتها الحكومة المصرية، فإن حكومات الدول صاحبة (الامتيازات) اشترطت عدم المساس بالمعاهدات المكتوبة في شأن (الامتيازات) بل وما أُضيف إليها بالعرف، بالرغم من عدم وجود جدوى لها بإنشاء (المحاكم المختلطة)، ولعل خوف هذه الحكومات من عدم نجاح تجربة (المحاكم المختلطة) هو الذي دفعهم للتمسك بالمعاهدات المكتوبة، واشتراط أن يكون إنشاء (المحاكم المختلطة) لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، والاحتفاظ بحقها في الرجوع عنها وتعديلها بحسب ما توحي به التجربة [11].

وبعد إنشاء (المحاكم المختلطة) بالفعل في نهاية عام 1875 م، وضعت لها عدة تقنينات في مجالات: المرافعات المدنية والتجارية، المعاملات المدنية، تحقيق الجنايات، العقوبات، التجارة، التجارة البحرية، بواسطة أمين سر نوبار باشا المحامي الفرنسي (مونوري) وآخرين، قاموا بنقلها عن القوانين الفرنسية نقلًا مشوهًا وصدرت في ذات العام على نحو ما ذكرناه سلفًا.

والعجيب أن (المحاكم المختلطة) لم تحل مشكلة المصريين بل وسَّعَت منها، إذ ظل الأجانب – سواء المتمتعون بجنسيات الدول صاحبة (الامتيازات) أو غيرهم – غير خاضعين لسلطان التشريع والقضاء الوطني، وإنما حلت هذه المحاكم مشكلة الأجانب ورفعت عنهم الحرج الذي كانوا دائمًا ما يقعون فيه مع بعضهم بسبب تنازع الاختصاص القانوني والقضائي بينهم إذا اختلفت جنسياتهم، لذا فإنه لم تكد تنقضي مدة الخمس سنوات الأولى على إنشاء (المحاكم المختلطة) حتى بادرت بتجديد المدة، وتلك القوى التي كانت زاهدة فيها، مصرة على توقيتها والاحتفاظ بحق الرجوع فيها هي التي باتت جد حريصة على استدامتها بالحالة التي نشأت عليها.

حتى إذا كان إبريل عام 1937 م وانعقد (مؤتمر مونترو) في (سويسرا) بين الحكومة المصرية وحكومات الدول صاحبة (الامتيازات) [12] وافقت هذه الحكومات على إلغاء (الامتيازات الأجنبية) في مصر مقابل تمديد مدة بقاء (المحاكم المختلطة) اثني عشر عامًا، وتعهد الحكومة المصرية بأن تكون القوانين التي تسري على الأجانب لا تتنافى مع مبادئ القانون المعمول بها في التشريع الحديث، وألا يتضمن التشريع المصري أي تمييز مُجحف بالأجانب أو الشركات أو المؤسسات الأجنبية..

وهكذا استطاعت مصر أيضًا شأنها شأن تركيا التخلص من (الامتيازات الأجنبية) لكن بثمن باهظ هو تقليص دور المحاكم الشرعية وانتزاع اختصاصاتها لصالح (المحاكم المختلطة)، واستبدال القوانين الأجنبية بأحكام الشريعة الإسلامية.

—————————————————————————————————————–


[1] وفي عام 1569م قام شارل التاسع ملك فرنسا بتجديد المعاهدة مع السلطان سليم الثاني وزاد عليها امتيازات أخرى، غير أن السلطان العثماني محمد خان الرابع رفض تجديد (الامتيازات) بسبب معاونة فرنسا لأعداء الدولة العثمانية، فكادت الحرب تقع بين الدولتين عام 1667م.

[2] وبقي اختصاص المجالس والمحاكم العثمانية قاصرًا بشأن الأجانب فيما يثار من منازعات بينهم وبين العثمانيين، غير أن الحكومات الأجنبية اشترطت فيما بعد ألا تسمع الدعاوى أمام المحاكم العثمانية إلا في حضور مندوب القنصل التابع لها الذي كان يُعرف ب (الترجمان).

[3] وكانت (الامتيازات) السابقة تنتهي بوفاة الحاكم الذي منحها، إلا أن يجددها من يخلفه.

[4] غير أن هذه الاشتراطات لم تتجاوز الأحكام المدنية، فقد ظل سفراء وقناصل الدول الأجنبية دائمًا ينفذون ما تصدره المجالس والمحاكم العثمانية من الأحكام الجنائية على الأجانب فيما يرتكبونه من جرائم ضد غيرهم.

[5] فقد أدرك سلاطين آل عثمان خطورة هذا الوضع بعد فوات الأوان، فقد بات إلغاء هذه (الامتيازات) من الصعوبة بمكان، ولم تكن الدولة العثمانية في أواخر عهدها قادرةً على تحمل تبعات نقض هذا الكم من المعاهدات التي أبرمتها مع الحكومات الأجنبية، يقول السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله في مذكراته (70): (إن هذه الامتيازات هي التي هضمت حقوقنا، وألحقت الحيف بنا.. إن فرض الوصاية علينا مناف لكرامتنا).

[6]واستثني من ذلك مسائل الأحوال الشخصية، حيث رفضت الدول الأجنبية أن تولي المجالس والمحاكم التركية الفصل فيها ولو طبقت القوانين الأجنبية، وصار للمتقاضين الأجانب أن يرجعوا إلى محاكم بلادهم.

[7] بالطبع كان المقصود بهذا الإصلاح هو تبديل شرع الله تعالى وإحلال القوانين الأجنبية محل الشريعة الإسلامية بالكلية.

[8] للاستزادة من آثار (الامتيازات) على (التشريع والقضاء) في الدولة العثمانية وفي مصر يراجع:

(1) أثر الامتيازات في القضاء والتشريع في مصر لعبد الحميد باشا بدوي.

(2) الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية للدكتور عمر سليمان الأشقر.

(3) مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني.

(4) أصول تاريخ القانون للدكتور عمر ممدوح.

(5) الأوضاع التشريعية لأستاذ صبحي محمصاني.

[9] وحسبنا في وصف هذه الفوضى ما ذكره تقرير اللجنة التي شكلتها الحكومة الفرنسية نفسها عام 1867م بشأن النظام القضائي في مصر، حيث جاء فيه:

(إن الجهات التي تلي القضاء بالنسبة للأوربيين في مصر والتي تحدد علاقتهم بالحكومة وبسكان القطر لا أساس لها من (الامتيازات) فلم يبق من الامتيازات إلا الاسم، وقد حل محلها أوضاع عرفية لا ضابط لها يكيفها ممثلو الدول الأجنبية كلٌ بحسب طبعه، وتستمد من سوابق تعسفية أحدثتها الضرورات والضغط من ناحية، والتسامح والرغبة في تسهيل الإقامة على الأجانب من ناحية أخرى).

[10] وهي انكلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا وروسيا.

[11] نصت المادة (40) من (لائحة ترتيب المحاكم المختلطة) على أنه:

(لا يسوغ تغيير أدنى شيء في هذا النظام المتفق عليه في أثناء مدة الخمس سنوات، وبعد انتهاء هذه المدة، إذا اتضح من العمل عدم الحصول على الفائدة المقصودة من تشكيل المحاكم فللدول الخيار: إما أن ترجع لما كان جاريًا من قبل، أو تتفق مع الحكومة المصرية على طريقة أخرى يستحسنونها).

[12] وهي: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، أيرلندا، الدانمارك، إسبانيا، اليونان، إيطاليا، النرويج، هولندا، البرتغال، السويد.

اكتب تعليق

Web Design BangladeshBangladesh online Market